محمد أبو زهرة

1486

زهرة التفاسير

كمال المساواة بين العمل وجزائه ، حتى كأن الجزاء هو العمل ذاته ، الرابعة : قوله تعالى : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فيه تأكيد للمساواة وفيه أيضا نفى للظلم نفيا مؤكدا بالتعبير بالجملة الاسمية ، إذ المعنى أنهم ليس من شأنهم أن يظلموا ؛ لأن اللّه تعالى خالقهم واللّه تعالى لا يظلم مطلقا ؛ لأنه لا يليق بكماله تعالى ، ولأنه كتب العدل على نفسه ، كما ورد في الحديث القدسي « 1 » . وإن التسوية بين الجزاء والعمل هي القانون العادل الذي سنه رب العالمين ، فلا تستوى الحسنة ولا السيئة ، ولا يستوى الخير والشر ولذا قال سبحانه : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ . هذا هو القانون السامي الذي وضعه سبحانه ، وهو التساوي بين العمل وجزائه ، وأنهم لا يتساوون في ذات أنفسهم ، وفي الجزاء إذا اختلفت أعمالهم ، ويفيد النص أن الجزاء يتحد إذا اتحد العمل ، ويختلف إذا اختلف العمل ، وفي النص الكريم عدة إشارات بيانية : الأولى : أنه ساق الكلام مساق الاستفهام الإنكارى الذي يفيد النفي أي إنكار الوقوع ، وهذا يفيد أن ذلك القانون بدهى لا تختلف فيه العقول ، بحيث لو سئل كل واحد من الناس عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوى من اتبع رضوان اللّه ، مع من يبوء بغضب اللّه . والثانية : أن اللّه سبحانه وتعالى سمى الأمناء الذين لا يغلون ولا يخونون في أي شئ ، وخصوصا في الغنائم : يتبعون رضوان اللّه تعالى ، وذلك لأنهم يخرجون مجاهدين في سبيل الحق ورفع كلمة اللّه وقد قدموا أنفسهم لمرضاته ، وكانوا ممن شروا أنفسهم للّه ، ومن المؤمنين الذين اشترى اللّه سبحانه وتعالى أنفسهم ، وفي ذلك رضوان اللّه تعالى ، وهو أعظم جزاء في الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) إشارة إلى الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه : البر والصلة - تحريم الظلم ( 2577 ) عن أبي ذرّ عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما روى عن اللّه تبارك وتعالى أنّه قال : « يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا » الحديث .